
قالت عائشة : لقد نزلت آية الرجم ، ورضاع الكبير (2) في رقعة تحت سريري وشُغلنا بشكاة رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) فدخلت داجن فأكلته . ( المحاضرات : 2 / 250 طبعة مصر ) .
وأخرج هذا الحديث ابن قتيبة عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة عن عائشة وقال في آخره : دخلت داجن للحيِّ فأكلت تلك الصحيفة . ( تأويل مختلف الحديث ص 210 طبع مصر ) .
وأخرج مسلم عن عائشة أنّها قالت : كان فيما أُنزل مِن القرآن : عشر رضعات (3) معلومات يحرِّمن . ثمَّ نُسخن ( بخمس معلومات ) فتوفِّي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهنَّ فيما يُقرأ مِن القرآن .
( صحيح مسلم : 4/167 ، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 213 ، تفسير ابن كثير : 1/469 ) .
وقال السيوطي :
وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت :
لقد كانت في كتاب الله عشر رضعات ، ثمَّ ردَّ ذلك إلى خمس ، ولكن مِن كتاب الله ما قبض مع النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) .
ثمَّ قال :
وأخرج ابن ماجة ، وابن الضرّيس عن عائشة قالت : كان ممَّا نزل مِن القرآن ثمَّ سقط لا يُحرِّم إلاَّ عشر رضعات ، أو خمس معلومات . ( الدرُّ المنثور :2/135) .
وأخرج الإمام أحمد عن سهلة امرأة أبي حذيفة أنّها قالت :
قلت : يا رسول الله ، إنَّ سالماً مولى أبي حذيفة يدخل عليَّ وهو ذو لحية .
فقال رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( أرضعيه ) .
فقالت : كيف أرضعه وهو ذو لحية ؟ فأرضعته فكان يدخل عليها .( مسند الإمام أحمد 6/356) .
وقال الإمام أحمد(4): حدَّثنا عبد الله ، حدَّثنا يعقوب قال : حدَّثنا أبي عن ابن إسحاق قال : حدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمان عن عائشة زوج النبي ( صلّى الله عليه وسلم ) قالت :
لقد أنزلت آية الرجم ، ورضعات الكبير عشراً فى ورقة تحت سرير في بيتي ، فلمَّا اشتكى رسول الله ( صلّى الله عليه وسلم ) تشاغلنا بأمره ، ودخلت دويبة لنا فأكلتها .
( مسند الإمام أحمد : 6/269 طبع المطبعة الميمنية بمصر ( عام 1313هـ)) .
وقال الأستاذ محمد التيجاني السماوي تحت عنوان : خلاف عائشة مع بقيَّة أزواج النبيّ ( صلّى الله عليه وسلم ) ، وذكر الحديث المتقدِّم عن امرأة أبي حذيفة مِن دخول سالم عليها ، وقول النبي ( صلّى الله عليه وآله لها : ( أرضعيه ) ، قال :
ولكنَّ سائر أزواج النبي ( صلّى الله عليه وسلم ) أمَّهات المؤمنين أبين ، ورفضن أنْ يدخل عليهنّ بتلك الرّضاعة أحد مِن الناس ، وقلن : لا والله ، ما نرى الذي أمر به رسول الله ( صلّى الله عليه وسلم ) سهلة بنت سهيل إلاَّ رخصة مِن رسول الله في رضاعة سالم وحده ، لا والله ، لا يدخل علينا بهذه الرّضاعة أحد .
فعلى هذا كان أزواج النبيّ ( صلّى الله عليه وسلّم ) في رضاعة الكبير .
صحيح مسلم : 4/167 ( باب رضاعة الكبير )
ثمَّ قال الأستاذ التيجاني :
إنَّ الباحث عندما يقرأ مثل هذه الروايات ، يكذِّب عينيه لأوّل وهلة ، ولا يصدّق ما يرى ، وما يقرأ ، ولكنّها الحقيقة المؤلة الّتي شوَّهت عصمة الرّسول ، وجعلت منه شخصاً مُستهتراً بالقيم الأخلاقية إلى أبعد الحدود ، ويجعل مِن دين الله أحكاماً تُضحك المجانين ، ولا يُقرُّها عقل ولا ذوق ، ولا مروءة ولا شهامة ، ولا حياء ولا إيمان ، وإلاَّ كيف يقبل المسلم مثل هذه الأحاديث المنكرة عن رسول الله الذي جعل الغيرة والحياء مِن دعائم الإيمان .
وهل يقبل مؤمن أنْ يسمح لزوجته أنْ تُخرج ثدييها إلى شابٍّ بلغ مبالغ الرجال ليرضعهما وتُصبح بعد ذلك أمَّاً له ؟!!
سبحانك إنَّه بهتان عظيم ، ولست أتصوَّر كيف منع رسول الله ( صلّى الله عليه وسلم ) وحرّم علينا لمس ومصافحة المرأة الأجنبيّة ، وأباح لنا مصَّ ثدييها ، أنا لم أفهم المقصود مِن وضع مثل هذا الحديث ولكنَّ المسألة لم تقف عند حدِّ الحديث ، بل تعدّاه وأصبح سنَّة متَّبعة ، فكانت عائشة تبعث بالرّجال الذين كانت تحبُّ أنْ يدخلوا عليها إلى أمِّ كلثوم أختها فتُرضعهم ، وما عليك أيُّها القارئ الاَّ أنْ تعرف بأنَّه لابدّ مِن خمس رضعات مُشبعات حتَّى تُبيح لهم عائشة الدخول عليها ، فقد روت عائشة قالت :
كان فيما أُنزل مِن القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن ، ثمَّ نُسخن بخمس معلومات ، فتوفِّي رسول الله ( صلّى الله عليه وسلم ) وهن فيما يُقرأ مِن القرآن .
صحيح مسلم 4/167 ( باب التحريم بخمس رضعات )
ثمَّ قال الأستاذ التيجاني :
وعلى هذا لابدَّ أنْ يتردَّد الرجل على أمِّ كلثوم خمس مرَّات ، وتُرضعه في كلّ مرَّة حتَّى يُصبح ابن أخت أمُّ المؤمنين ، فتستبيح عائشة مقابلته بعد ما كان حراماً عليها .
ولعلَّ ذلك هو الذي رغَّب الناس فيها فتسابقوا إليها ، وأحبُّوا الدخول عليها ، وأطروها وعظَّموهما ، حتَّى أنزلوها منزلة يقصر عنها عظماء الصّحابة ، فقالوا : بأنَّ عندها نصف الدين فمَن مِن الرجال ـ وخصوصاً في ذلك العصر ـ لا يحبُّ التقرُّب إلى أمِّ المؤمنين زوجة الرسول وابنة أبي بكر ، ثمَّ على أيِّ طريق ؟ طريق رضاعة أمِّ كلثوم بنت أبي بكر ، وبنات أخيها .
إنَّها روايات مخزية تُنسب إلى أعظم شخص عرفه تاريخ البشريّة ، وانظر ـ أيُّها القارئ ـ إلى الرواية كيف تستنكر سهيلة على رسول الله عندما قال : ( أرضعيه ) .
قالت : وكيف أُرضعه وهو رجل ذو لحية ؟!
قالت : فضحك رسول الله وقال : قد علمت أنَّه رجل كبير.
صحيح مسلم :4/168 ( باب رضاعة الكبير)
وانظر أيضاً أنَّ الراوي لهذه القصَّة تهيَّب أنْ يحدِّث بها .
قال ابن رافع بعد رواية الحديث :
فمكثت سنة أو قريباً منها لا أُحدِّث به وهِبْته ، ثمَّ لقيت القاسم ، فقلت له :
لقد حدَّثتني حديثا ما حدَّثته بعد .
قال : فما هو ؟
فأخبرته ، قال : فحدِّثه عنِّي أنَّ عائشة أخبرتنيه .
صحيح مسلم : 4 / 169 .( باب رضاعة الكبير )
ولعلَّ أمَّ المؤمنين عائشة كانت تنفرد بهذا الحديث ؛ ولذلك أنكر عليها أزواج النبي سائر أمَّهات المؤمنين ، وقلن : لا والله ، لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد مِن الناس ـ كما تقدَّم ـ .
واعتقد أنَّ قولهنَّ : ما نرى الذي أمر به رسول الله سهلة إلاَّ رخصة في رضاعة سالم وحده ـ هذا القول ـ زيادة مِن المحدِّثين ؛ لأنَّهم استفضعوا أنْ يكذِّب سائر أزواج النبي عائشة ، ويستنكرون عليها مثل هذا الحديث .
ويحقُّ لهنَّ استنكار ذلك فهنَّ أعلم برسول الله (ص) مِن عائشة ، لأنهنَّ ثمانية وفيهنَّ أمثال : أمِّ سلمة المرأة الصالحة التي كبر سنُّها وكمل عقلها ، ثمَّ هذا هو الذي يتماشى وغيرة الرسول ( صلّى الله عليه وسلم ) وعدم تساهله في المحارم .
ولعلَّ أمَّ المؤمنين عائشة توافق أُمَّهات المؤمنين ، مِن أنَّ رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) لا يتسامح في مثل هذه الأُمور، فلنستمع إليها تروي عن نفسها : قالت :
دخل عليّ رسول الله وعندي رجل قاعد فاشتدَّ ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه . قالت : قلت : يا رسول الله ، إنَّه أخي مِن الرضاعة . قالت :
فقال : ( انظرن إخوتكنَّ مِن الرّضاعة ؛ فإنَّما الرّضاعة مِن المجاعة ) .
صحيح مسلم : 4/170 ( باب إنَّما الرضاعة مِن المجاعة )
صحيح البخاري : 3/150 ( كتاب الشهادات )
فلعلَّها كانت تجتهد هي أيضاً في حياة النبي ( صلّى الله عليه وسلم ) فكانت ترى صحَّة رضاعة الكبير وبهذه الرواية أثبتت أنَّها كانت تستبيح ذلك في حياة النبي ، ولكنَّ الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لم يوافقها على ذلك وغضب وأشتدَّ ذلك عليه وقال لها : (إنَّما الرّضاعة مِن المجاعة) . يعني لا تكون الرضاعة إلاَّ للصبيان الذين لا ينفذون إلاَّ بالرّضاعة .
فهذا الحديث يُبطل رضاعة الكبير كما لا يخفى .
لأكون مع الصادقين ص 118- 120
ط مؤسسة البشرى ـ باريس
وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت :
لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً . ولقد كان في صحيفة تحت سريري . فلما مات رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وتشاغلنا بموته ، دخل داجن فأكلها (5)
____________
(1) هو أبو القاسم حسين بن محمد بن المفضل الإصبهاني ، الفاضل المتبحِّر الماهر في اللغة والعربيّة والحديث ، والشعر والأدب ، مِن مؤلَّفاته : المفردات في غريب القرآن ، أفانين البلاغة ، المحاضرات الذريعة إلى مكارم الشريعة . انظر : ( الكنى والألقاب للقمي 2/268 طبع النجف الأشرف العراق ) .
(2) موطِّأ الإمام مالك : جاءت سهلة بنت سهيل ، وهي امرأة أبي حذيفة ـ وهي امرأة عامر بن لؤي إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وسلم ) فقالت : يا رسول الله ، كنَّا نرى سالماً ولداً يدخل عليَّ وأنا فُضُل (*) وليس لنا إلاَّ بيت واحد . فماذا ترى في شأنه ؟ فقال لها رسول الله ( صلّى الله عليه وسلم ) : ( أرضعيه خمس رضعات ) ، فيحرم بلبنها ، وكانت تراه ابناً مِن الرضاعة . فأخذت بذلك عائشة أمُّ المؤمنين فيمَن كانت تحبُّ أنْ يدخل عليها مِن الرجال فكانت تأمر أختها أمَّ كلثوم بنت أبي بكر الصدِّيق ، وبنات أخيها . أنْ يُرضعن مَن أحبَّت أنْ يدخل عليها مِن الرجال .
انظر موطَّأ الإمام مالك : 2/605 كتاب الرضاع ، باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر ، طبعة مصر بتحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي . الإصابة في تمييز الصحابة 2/7 الطبعة الأُولى ( عام 1328هـ ) مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر ـ القاهرة .
(*) فُضُل : أي مكشوفة الرأس والصورة . وقيل : عليَّ ثوب واحد لا إزار تحته . عن هامش موطِّأ الإمام مالك 2/606 .
(3) أخرج الإمام أحمد عن عروة عن عائشة قالت : أتت سهلة بنت سهيل رسول الله ( صلّى الله عليه وسلم ) فقالت له : يا رسول الله ، إنَّ سالماً كان منَّا حيث قد علمت أنَّا كنّا نعدُّه ولداً ، فكان يدخل عليَّ كيف شاء لا نحتشم منه ، فلمَّا أُنزل فيه وفي أشباهه ما أُنزل أنكرت وجه أبي حذيفة إذا رآه يدخل عليّ قال : فأرضعيه عشر رضعات ، ثم ليدخل عليك كيف شاء ؛ فإنَّما هو ابنك . فكانت عائشة تراه عامَّاً للمسلمين . وكان مَن سواها مِن أزواج النبي ( صلّى الله عليه وسلم ) يرى أنَّها كانت خاصَّة لسالم مولى أبي حذيفة التي ذكرت سهلة مِن شأنه رخصة له . ( انظر : مسند الإمام أحمد : 6/269 . تفسير ابن كثير : 1/470 ) .
(4) هو شيخ الأمَّة وعالم أهل العصر أبو عبد الله ، أحمد بن حنبل الذهلي الشيباني المروزي ، ولد ببغداد ، ونشأ بها . وأوّل طلب أحمد للعلم في سنة تسع وسبعين ومئة .
رحل إلى الكوفة والبصرة ، ومكة والمدينة ، واليمن والشام والجزيرة ، وقد تجاوز سبعاً وسبعين سنة ، توفِّي في ( 12 ربيع الأول ) سنة إحدى وأربعين ومئتين . كان إماماً في الحديث وضروبه ، إماماً في الفقه ودقائقه ، إماماً في السنَّة ودقائقها ، إماماً في الورع وغوامضه ، وإماماً في الزهد وحقائقه . انظر : ( شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي 2/96 طبعة مصر ) .
(5) سنن ابن ماجة : الحديث برقم 1944 مِن كتاب النكاح ص 626 باب رضاع الكبير 214 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق