الاثنين، 14 سبتمبر 2015

ولاية علي شرط الايمان 2

أصحابي كالنجوم
وأما رواية « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » فهو حديث ضعّفه وحكم بوضعه عدة من المحدثين والمحققين ، فقد ضعف سنده ابن حجر العسقلاني والبزار (16) والبيهقي ، واحمد بن حنبل وأخيرا الالباني (17) وغيرهم.

وقال ابن حزم : فقد ظهر أن هذه الرواية لاتثبت أصلا ، بل لاشك أنها مكذوبة ، لأن الله تعالى يقول في صفة نبيه صلى الله عليه واله ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) فإذا كان كلامه عليه الصلاة والسلام في الشريعة حقا كله وواجبا فهو من الله تعالى بلا شك ، وما كان من الله تعالى فلا يختلف فيه ، لقوله تعالى ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) وقد نهى تعالى عن التفرقة والاختلاف بقوله ( ولا تنازعوا ) ، فمن المحال أن يأمر رسوله باتباع كل قائل من الصحابة رضي الله عنهم ، وفيهم من حلّل الشيء وغيره يحرمه ، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالا اقتداء بسمرة بن جندب ، ولكان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي طلحة ، وحراما اقتداء بغيره منهم ، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبا اقتداء بعلي وعثمان وطلحة وابي أيوب وأبي بن كعب ، وحراما اقتداء بعائشة وابن عمر ، وكل هذا مروي عندنا بالاسانيد الصحيحة .... فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون ؟! (18).
ثم قال : فصح ان الاختلاف لايجب أن يراعى أصلا ، وقد غلط قوم فقالوا : الاختلاف رحمة ، واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه واله : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.
قال : وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية :
احدها : أنه لم يصح من طريق النقل.
والثاني : أنه صلى الله عليه واله لم يجز أن يأمر بما نهى عنه وهو عليه السلام قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسره وكذّب عمر في تأويل تأوله في الهجرة ، وكذب أسيد بن حضير في فتيا أفتى بها في العدة ... فمن المحال الممتنع الذي لايجوز البتة أن يكون عليه السلام يأمر باتباع ماقد أخبر أنه خطأ ، فيكون حينئذ أمر بالخطأ ، تعالى الله عن ذلك وحاشا له صلى الله عليه واله من هذه الصفة ، وهو عليه الصلاة والسلام قد أخبر أنهم يخطئون فلا يجوز أن يأمرنا باتباع من يخطىء (19).
وقال الغزالي : فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله ، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة ، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف ، وكيف يختلف المعصومان ؟ وكيف ؟! وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة ، فلم ينكر ابو بكر وعمر على من خالفهم بالاجتهاد (20).
رزية الخميس مصيبة الاسلام
واول انشقاق وفتنة عظيمة أدت الى الضلال والانحراف هي رزية الخميس ، فالرزية كل الرزية ـ كما قال حبر الامة وترجمان القران ـ رزية الخميس ، فكل انحراف وكل ضلال مبدأه يوم الخميس ظرف تلك الرزية.
فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس قال : لما اشتد بالنبي صلى الله عليه واله وجعه قال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لاتضلوا بعده ، قال عمر : إن النبي صلى الله عليه واله غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا وكثر اللغط ، قال : قوموا عني ، ولا ينبغي عندي التنازع ، فخرج ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه واله وبين كتابه (21).
واخرج ايضا بسند آخر عن ابن عباس قال : يوم الخميس وما يوم الخميس !! اشتد برسول الله صلىالله عليه واله وجعه ، فقال : ائتوني اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : ما شأنه ؟! استفهموه ، فذهبوا لايردون عليه ، فقال : دعوني ، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني أليه ، وأوصاهم بثلاث : اخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، واجيزوا الوفد بنحو ما كنت اجيزهم ، وسكت عن الثالثة ، او قال : نسيتها (22).
واخرج مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : يوم الخميس ! وما يوم الخميس ! ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت
وأخرج بسند ثالث عنه رضي الله عنه قال : لما حُضِرَ رسول الله صلى الله عليه واله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب : قال النبي صلى الله عليه واله : هلم اكتب لكم كتابا لاتضلوا بعده ، فقال عمر : إن النبي صلى الله عليه واله غلب عليه الوجع ، وعندكم القران ، حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه واله قال رسول الله صلى الله عليه واله كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغط عند النبي صلى الله عليه واله قال رسول الله صلى الله عليه واله قوموا » ( 23 )
والملاحظ أن الذي بدأ بقوله : هجر رسول الله صلى الله عليه واله هو الخليفة عمر بن الخطاب ، إذ القوم انقسموا الى قسمين منهم من يقول : قربوا له الدواة ، وقسم آخر يقول : هجر رسول الله صلى الله عليه واله ، فالمحدثون ـ امناء هذه الأمة ـ اذا ذكروا عمر حرّفوا العبارة ، وسواء كانت العبارة التي صدرت من عمر هي « ان النبي غلب عليه الوجع » أو « هجر الرجل » فالمعنى واحد ، إذ الانسان إذا غلب عليه الوجع يهجر ، فلا يكون قيمة لكلامه.
نعم وقع لفظة « غلب عليه الوجع »أهون بكثير من « هجر » ، فهو من قبيل قولنا في المجنون بأنه مصاب بمرض عقلي ، فالنتيجة واحدة ولكن وقع اللفظ على القلب أهون.
قال ابن الجوزي : إنما خاف عمر أن يكون ما يكتبه في حال غلبة المرض ، فيجد بذلك المنافقون سبيلا الى الطعن في ذلك المكتوب (24).
وهذا غير صحيح : اذ قوله صلى الله عليه واله « لن تضلوا » تنص على أن ذلك الكتاب سبب للامن عليهم من الضلال ، فكيف يكون سببا للفتنة بقدح المنافقين ، فهو صلى الله عليه واله لايقاس به أحد حتى يقال بان نظر عمر بن الخطاب صحيح ونظره صلى الله عليه واله فيه شائبة الاشكال كما هو عليه جُلّ من حاول أن يفسر ويشرح هذا الحديث من أهل السنة والجماعة صونا لعمر بن الخطاب.
وإذا كان هناك ملجأ للمنافقين في الطعن في هذا الكتاب ، فالذي فتح لهم باب الطعن هو عمر بن الخطاب ، فلو أن الرسول الاكرم صلى الله عليه واله كتب هذا الكتاب بعد أن سمع هذه الكلمة من عمر والجماعة الموافقة له ، لطعن المنافقون فيه بعد وفاته صلى الله عليه واله ، ولما ميّز المسلمون المنافق العادي من المنافق المحترف والمسلم العادي ، فلو أن عمر بن الخطاب لم يتفوه بهذه الكلمة لكان كل من يتعرض لذلك الكتاب بالغمز والتشهير فقد حكم على نفسه بالنفاق والخروج عن الاسلام ، ومن ثَم ّيعرفه المسلمون ويتجنبونه.
مضافا : الى ان المصحح لخلافة عمر هو وصية ابي بكر ، إذ انه في أواخر لحظات حياته أمر عثمان بأن يكتب : أما بعد ، ثم أغشي عليه ، فكتب عثمان من نفسه : أما بعد فقد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، فلما أفاق ابو بكر ، قال : اقرأ ، فقرأ عليه ، فقال : أراك خفت أن يختلف الناس ، قال : نعم ، وأمضاها ابو بكر (25).
فأبوبكر أمضى ما كتبه عثمان وهو في حال الاحتضار والغشيان ولم يقولوا هجر أو غلب عليه الوجع ، وكان يحق له أن يوصي وأن يخاف على اختلاف الامة ، أما نبي الرحمة فيواجه بهذه الكلمة القبيحة من قبل عمر بن الخطاب وجماعة من المسلمين ، وحاله لم يكن كحال أبي بكر إذ الفترة بين موته صلى الله عليه واله وبين هذا الحدث خمسة أيام.
قال النووي : أما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله
ودقيق نظره ، لأنه خشي أن يكتب صلى الله عليه واله امورا ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها ، لأنها منصوصة ، ولامجال للاجتهاد فيها ، فقال عمر « حسبنا كتاب الله ... » (26).
قلت : الله ورسوله أعرف من عمر ومن غيره بعواقب الامور وأشفق من عمر ومن أبي بكر بهذه الامة ، وهو الموصوف في الكتاب الكريم ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ).
وقد قطع الرسول الاكرم صلى الله عليه واله بأن هذا الكتاب أمانا من الضلال ، فالشفقة والرحمة تقتضي كتابة هذا الكتاب ، فالحيلولة بين كتابة هذا الكتاب هو الذي أدى الى الضلال والانحراف.
وقال عدة من أهل السنة والجماعة أن قوله صلىالله عليه واله « ائتوني » ليس للوجوب وانما هو من باب الارشاد للاصلح (27).
هذا كلام في غاية الضعف والسفاهة لامور :
1- أن السعي الى ما يوجب العصمة من الضلال والانحراف لايمكن أن يكون من باب الارشاد لما هو أصلح ومن مستحبات الاعمال ، بل هو من الامور الواجبة.
2-
مضافا الى أن استياء النبي صلى الله عليه واله من قولهم ومنعهم لذلك الكتاب كاشف على أنهم قد ارتكبوا أمرا عظيما ، لا أنهم خالفوا امرا إرشاديا مستحبا.
3-
أن امر النبي صلى الله عليه واله لهم باحضار الدواة لكتابة الكتاب كان عند الاحتضار ، والمحتضر يكون عادة مشغولا بنفسه وبما يعظم خطره ويعظم شأنه عنده ، ولاسيما مع العلم بالمشقة التي ستحصل له صلى الله عليه واله من كتابة الكتاب ، فالمقام مقام الاوامر الالزامية المهمة ، لامقام الاوامر الارشادية.
4-
ان عدّ ابن عباس رحمه الله الحيلولة بين النبي صلى الله عليه واله وبين كتابة الكتاب رزية عظيمة عبر عنها بـ « الرزية كل الرزية » وإن بكاءه بعد انقضاء الحادثة ومضي السنين العديدة عليها ،حتى صارت دموعه تنحدر على خديه كاللؤلؤ ، دليل على أن مخالفة أمر النبي صلى الله عليه واله كان فعلا محرما فظيعا ، وإلا فمن المستبعد أن يعتبر ابن عباس مخالفة الاوامر الارشادية رزية عظيمة يبكي لاجلها (28).
المصادر :
1-
الحجرات : 14.
2-
آل عمران : 31.
3-
النساء : 65.
4-
آل عمران : 144.
5-
صحيح البخاري : 8/150 ، قال في لسان العرب : 11/710 وفي حديث الحوض « فلا يخلص منهم إلا مثل همل النعم » الهمل : ضوال الابل ، واحدها هامل أي الناجي منهم قليل في قلة النعم الضالة. قلت صدق الله تعالى إذ قال ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) و الشاكرون في التاريخ قليل ( وقليل من عبادي الشكور ).
6-
صحيح البخاري : 9/58 كتاب الفتن باب 1 ، 8/148 كتاب الرقاق ، باب الحوض.
7-
صحيح البخاري : 9/58.
8-
صحيح البخاري : 8/149 ، صحيح مسلم : 4/1800 ، مسند أحمد : 3/281 ، 5/48 / 50.
9-
صحيح البخاري : 6/69 كتاب التفسير سورة المائدة ، 6/122 سورة الانبياء 8/136 كتاب الرقاق ، صحيح مسلم : 4/2195 كتاب الجنة ، سنن الترمذي 5/321 ،
10-
صحيح سنن النسائي للالباني : 3/499 ، مسند أحمد : 1/235 ، 253.
11-
الكافي : الروضة.
12-
رجال الكشي : 11.
13-
العتب الجميل : 41
14-
مسند الامام احمد : 6/292 ، وابو نعيم الاصفهاني بعدة أسانيد في حلية الاولياء : 4/185 ، والبيهقي في السنن ، والخطيب البغدادي بعدة أسانيد في تاريخه : 2/255 ، 8/417 ، 14/426 ، والطحاوي في مشكل الاثار : 1/48 عن عمران بن الحصين ، مجمع الزوائد : 9/33
15-
الفتح : 10.
16-
الموطأ : 236 كتاب الجهاد ، باب الشهداء في سبيل الله حديث 995.
17-
تلخيص الحبير : 4/190
18-
سلسلة الأحاديث الضعيفة : 1/79 قال : قال احمد : لايصح هذا الحديث كما في المنتخب لابن قدامة : 10/199/2.
19-
الإحكام في أصول الأحكام : 6/244.
20-
سلسلة الاحاديث الضعيفة للالباني : 1/83 نقلا عن ابن حزم في الإحكام في اصول الاحكام : 5/62.
21-
المستصفى في علم الاصول : 1/135.
22-
صحيح البخاري : 1/38 كتاب العلم ، باب كتابة العلم رقم 39.
23-
صحيح البخاري 6/11 كتاب المغازي باب مرض النبي صلى الله عليه واله ووفاته.
24-
صحيح البخاري : 7/155 كتاب الطب ، باب قول المريض قوموا عني رقم 17.
25-
فتح الباري : 1/169.
26-
تاريخ الطبري : 4/53 ، تاريخ ابن الاثير : 2/207
27-
صحيح مسلم بشرح النووي :11/90
28-
ارشاد الساري : 1/207 ، فتح الباري : 1/169 نقلا عن القرطبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Disqus Shortname

Comments system

Ad Inside Post